2 أمشير: الشهيدة العذراء أبوللونيا  

عن كتاب: قاموس أباء الكنيسة وقديسيها حرف "أ" للقمص تادرس يعقوب ملطى. وكتاب: الشهيدة أبوللونيا اصدار دير أبى سيفين للراهبات بمصر القديمة.

روى لنا القديس ديونيسيوس الإسكندرى فى رسالة وجهها إلى فابيوس أسقف أنطاكية الآلام التى تكبدها الشهداء فى الإسكندرية فى عهد داكيوس (ديسيوس) جاء فيها: "لم يبدأ اضطهادنا بصدور الأمر الملكى (سنة 250م) بل سبقه بسنة كاملة. إن مخترع الشرور ومصدرها فى هذه المدينة، أياً كان شخصه، سبق فحرض جماعات الأممين وهيجها ضدنا، ونفث فيهم من جديد سموم خرافات بلادهم، وإذ هيجهم بهذه الكيفية، ووجدوا الفرصة كاملة لارتكاب أى نوع من الشر، إعتبروا أقدس خدمة يقدمونها لشياطينهم هى أن يقتلونا" . وعرض أمثلة لبكور هذا الاضطهاد من بينهم العذراء المسنة أبوللونيا.

ولدت القديسة أبوللونيا بمدينة الإسكندرية من أبويين مسيحيين تقيين ربياها على حياة التقوى والقداسة، فنمت فى الفضيلة والنسك وحب الصوم والصلاة

ولما شبت قليلاً كرست حياتها لله وخدمت فى الكنيسة كشماسة تهتم بالفقراء والمحتاجين بعد وفاة والديها، أقامت فى منزل بسيط عند مدخل المدينة تقوم بخدمات كثيرة فى اتضاع وحب لكل أحدإذ بدأ الضيق يحل بالمؤمنين فى الإسكندرية، وصار الوثنيون يقتحمون بيوتهم ويسحبونهم منها دون مراعاة للسن أو الجنس أو المركز، رأت أبوللونيا أن تلتقى مع الوالى فى فجر أحد الأيام تتحدث معه فى صراحة عن هذه الجرائم البشعة! قضت ليلتها تصلى، وفى الفجر انطلقت إليه لا لإثارته ضدها ، وإنما لترده عن شره ويراجع نفسه فيما يفعل. وإذ التقت به بشجاعة قالت له بحزم وصراحة وأدب: " يا سيدى، كيف عملت كل هذه المظالم، وأتيت بهذا الدمار على من أنت مؤتمن عليهم لرعايتهم، دون أن تخاف إله الآلهة وملك الملوك، مشجعاً هذه الجرائم بغير فهم، قاتلاً عبيد الله؟!"

تعجب الوالى لشجاعة هذه المرأة المتقدمة فى السن وسألها: "أخبرينى ما اسمك؟ ومن تكونين؟! وكيف تجاسرت على المثول أمامى دون إذن أو سماح منى؟! ومن أين لك هذه الشجاعة حتى تتحدثين مع السلطات بمثل هذا التشامخ ؟!"

أجابت: اعلم أيها الوالى، إنى مسيحية، من أسرة نبيلة، وأدعى أبوللونيا وقد أثارنى صمتكم ومهادنتكم لأعمال البطش والظلم والأحداث الهمجية التى تسببت فى إراقة الدماء، لذا مثلت أمامكم، لأطلب من جلالتكم ردع هذه الحملات العدائية التى تثار ضد من يعبدون الإله الحى، الإله الواحد الحقيقى، ربنا يسوع المسيح". حينئذ شعر الوالى بمدى ثبات أبوللونيا وشجاعتها، كما أدرك تماماً مكانتها الاجتماعية وعراقة أصلها. فحاول التحدث إليها بلطف قائلاً: "هدئى نفسك، وانظرى إلى عراقة أصلك ونبل منشئك ولا تتعاطفى مع قوم أغبياء يتخبطون فى ظلمات الجهل، فإن لم ترجعى عن هذه المعتقدات المضللة، فاعلمى إنى سأضطر لمعاملة شخصك الشريف النبيل بوسائل رادعة لا تتناسب معكِ واعلمى أن أباءنا ومن سبقونا قد علقوا مسيحك هذا على الصليب".

أبوللونيا: "وأين هم الآن الذين صلبوه؟ لقد ماتوا وهلكوا هلاكاً أبدياً".

الوالى: "إذاً ضحِّ للآلهة وإلا ستلاقين عذابا مريراً ثم الموت".

أبوللونيا: "اعلم أيها الوالى، إن غاية سعادتى هى أن أتألم وأموت من أجل محبتى لإلهى وربى يسوع المسيح وإنى واثقة فى معونته ومساندته لى".

فقال الوالى: "لماذا هذه المهاترات غير المجدية، فلتعظمى إذاً آلهتنا ببعض الكلمات البسيطة وازدرى بإلهك".

أبوللونيا: "أيها الوالى ألا تعلم أن فى ذلك إهانتى؟"

الوالى : "ولكنك بتنفيذك قولى، ستصبحين حرة، ولن يُمسَّ شرفك وتنقذين حياتك".

أبوللونيا: "لن يكون هذا أبداً، لن أعبد آلهتك، وبكل فرح وسرور وبكامل إرادتى أقبل الموت على اسم ربى وإلهى يسوع المسيح، الإله الواحد الوحيد، الإله الحقيقى".

لم يمل الوالى ولم ييأس من محاورة العذراء أبوللونيا، محاولاً إقناعها واستمالتها لعبادة الآلهة، تارة بالوعد وأخرى بالوعيد. ثم اتجه نحو الجند وأمرهم باقتيادها إلى معبد قريب من دار الولاية حتى تسجد وتبخر للآلهة. وما إن وصلت العذراء أبوللونيا إلى المعبد، الذى فتحت أبوابه على مصراعيها، حتى رسمت علامة الصليب واضحة أمام أعين الموكب الذى يتبعها. وفى الحال تساقطت تماثيل الآلهة وتحطمت، فارتعب كهنة الأوثان وكل الحاضرين مما حدث، أما هى، فقد أضاء وجهها بنور لامع وشعرت بقوة روحية تملؤها، ووقفت تحدث الجمع فى المعبد عن الإله الحقيقى الواحد، ربنا يسوع المسيح. وبالرغم من هدوء صوتها ورقة نبراتها إلا أنه كان يتسم بالشجاعة والجرأة والوضوح. ودخلت كلماتها فى قلوب سامعيها كسهام متقدة وانجذب للإيمان عدد كبير من الوثنيين فى هذا اليوم وأعلنوا إيمانهم. وعندما أفاق كهنة الأوثان من ذهولهم ودهشتهم مما حدث لتماثيل آلهتهم، أسرعوا بالهجوم على القديسة وقبضوا عليها وأخرجوها خارج المعبد وساقوها إلى دار الولاية حتى تنال ما تستوجبه من عقاب بسبب ما ارتكبته فى المعبد وما حل بالآلهة.

حينئذ أمر الوالى بجلد القديسة، فمزقت السياط جسدها الرقيق وتناثر لحمه، أما هى فاحتملت الجلد القاسى فى صمت وفرح ولم تظهر أى أنين كأنها لا تشعر بأى ألم على الإطلاق، بالرغم من دمائها التى كانت تسيل كالأنهار الجارية من كل جسدها فى فناء البلاط الملكى. وأثناء هذا الجلد الوحشى، توجه إليها الوالى قائلاً: "حسناً، أين هو إلهك إذاً؟! فليأتِ لمعونتك؟! بماذا ينفعك عنادك؟! إنى واثق الآن ، إنك قد عدلتِ عن رأيك وأصبحتِ تفكرين تفكيراً سليماً عاقلاً، ولا أطلب منكِ الآن سوى أن تعترفى أمامى بأن كل ما تحدثتِ به إلىَّ وكل ما أعلنتيه أمام الجمع، قد صدر منك فى لحظة ضيق وغضب وبدون وعى أو تفكير. واعلمى إنكِ إذا سمعتى لى ، فإنى سأعفو عنك وأطلق سراحك بالرغم من كل ما اقترفتيه من انتهاك لحرمات الآلهة فى المعبد.

أجابت: "اعلم أيها الوالى إنى على وعى تام بكل ما قلته ولا أتراجع عن أى كلمة صدرت منى. والآن أعلن وأعترف بأن إلهى ومخلصى يسوع المسيح قد أسرع لمعونتى ولم أشعر بجلدة سوط واحدة".

وعند سماع الوالى لأقوالها هذه ، استشاط غضباً ، وبناء على إشارة منه حضر الجند ـ يمسك كل منهم حجراً مدبباً فى يده ـ والتفوا جميعاً حول القديسة المثابرة. وبينما قام البعض منهم بربطها وتقيدها حتى لا تتمكن من الحركة ، قام الآخرون بفتح فمها وتكسير أسنانها بطريقة وحشية ثم نزعوا جذورها بعنف بواسطة كماشات غليظة، ثم ألقوها فى السجن إلى حين صدور الحكم النهائى عليها.

وعندما استردت القديسة وعيها، وجدت نفسها بمفردها فى السجن، منطرحة على الأرض، فاقدة اتزانها من شدة الألم، تعانى من صداع شديد فى رأسها وآلام رهيبة فى فكيها المهشمين والدم يسيل بغزارة من فمها. حينئذ رفعت القديسة أبوللونيا قلبها إلى الله طالبة معونته ثم قامت وجثت على ركبتيها، واستغرقت فى صلاة عميقة متضرعة إلى الله أن يقبل آلامها طالبة عون عريسها السماوى، وقد سمع الحاضرون صوتاً سماوياً يقول: "لقد قبلت صلاتك يا عروس المسيح". وفى نفس هذه اللحظة، فتح مندوب الوالى باب السجن ونطق بالحكم الواقع على الطوباوية إذ أمر الوالى بإلقائها فى نار متقدة.

وفى الحال أخرج الحراس القديسة وساقوها إلى مكان تنفيذ الحكم حيث تبعها حشد كبير من الجند والشعب. وعند وصولهم إلى المكان المحدد، أوقد الجند النار وتكاثف الدخان وتزايد اللهيب فى اشتعاله أمام أعين الجميع. وبينما كانت القديسة بين أيدى الحراس رافعة قلبها إلى الله فى صلاة لا تفتر طالبة معونته ومساندته، توجه إليها مندوب الوالى قائلاً: "ما زال فى إمكانك إنقاذ حياتك، تقدمى إذاً وضحِّ معنا للآلهة كأمر الملك".

حينئذ طلبت القديسة أن يتركوها لحظة. فظن الجند والجمع المشاهد بأنها قد تراجعت عن إيمانها أمام هول النار. فتسلطت عليها آلاف الأنظار التى كانت تترقب بشغف وتنتظر فى قلق ما سيتم.

أما العذراء أبوللونيا التى لم تكف عن الصلاة إلى الله لحظة واحدة. فقد اندفعت بقوة روح الله وفلتت من بين أيدى الجند وسارت بخطى مسرعة حيث ألقت بنفسها فى النار المتقدة وظلت عيناها ثابتتين، شاخصتين نحو السماء وذراعاها مبسوطتين فى الصلاة. وظلت هكذا حتى التهمتها النيران وهى فى تسبيح وشكر لله. ونالت إكليل الشهادة والبتولية.

يحتفل الغرب بعيد استشهادها فى التاسع من فبراير الموافق الثانى من أمشير حسب تقويم الكنيسة القبطية. بركة القديسة الشهيدة أبوللونيا فلتكن معنا أمين.