03 أمشير: نياحة أنبا هدرا 

فى هذا اليوم تنيح الأب القديس أنبا هدرى وهو أول راهب ترهب بحاجر بنهدب فى بلادنا قبل أنبا بطرس الكبير. وفى هذا الزمان كان الجبل قفراً مستوحش مملوء من عظام الأموات وجميع الدبابات إذ كان هذا المكان مقبرة للأجيال الماضية. أما القديس أنبا هدرا فإنه ابتدأ بالسكنى فى البرية إذ كان المكان مهجوراً، وأحب السكنى مع وحوش البرية والهوام المسمومة وهرب من قلق السكن مع الناس من أجل حب الطهر الموجود فيه وكثرة اشتياقه الروحانى للوحدة لكى لا يعطى سبب البتة للجهتين، سوى أنه كان يفكر فى احتيال المجرب ويطرح عنه أمواج هذا العالم الصعب وخديعة الناس. وهذا القديس الكامل أنبا هدرى أقام الميت على الحقيقة وسأشرح لكم التعب بعينه.

 كان رجل ناسك فى سيرته مشهور بكل الأعمال الإلهية تام بجميع الفضائل الروحانية يدعى اسمه أنبا يهوذا مستقيم فى أعماله. وهذا بكثرة سذاجته وعظم وداعته لم يكن يؤمن بقيامة الأجساد التى هى عربون ميراثنا ورجاء حياتنا وخلاصنا. وان الله المحب للبشر المهتم كل حين بخلاص الكل لم يشاء أن يكون هذا الرجل المبارك يخسر شئ من تعبه وعظم نسكه وكثرة صلواته وعبادته واكشف أمره للقديس أنبا هدرى انه قليل الإيمان لكى يقومه ويريحه من تعبه. فلما حضر أنبا يهوذا لزيارة القديس أنبا هدرى كجارى عادته كل يوم بادر القديس إليه وتبارك منه كأن هو أيضاً لا يصدق بقيامة الأجساد وسأل القديس أنبا يهوذا قائلاً يا أبى أترى تقوم هذه العظام. أجاب أنبا يهوذا قائلاً أنت أخبر يا أبونا فعلم الشيخ من إجابته أن الشك فى قلبه لأجل هذا الأمر. وعند ذلك فرش وزرته على أحد الأموات القدماء المطروحين تحت حيط البرية ودخل مع الشيخ أنبا يهوذا وجلسا. ومن بعد هنية يسيرة صار الشيخ أنبا هدرى كأنه قد نسى وزرته برا. فأرسل يهوذا لكى يأتى بها إليه. وعند خروجه ليأخذ الوزرة للوقت قام ذلك الميت الذى كان مغطى بها وأخذ بيده كمن يريد يداوى ويشفى ضعف إيمانه فصرخ أنبا يهوذا بصوت عظيم وهو مقلقاً وتعباً ونادى الشيخ أنبا هدرى. أما الشيخ فكان عارفاً فى ذاته بما جرى فخرج إليه وبكته لأجل قلة إيمانه بالآية التى شاهدها. ولما ثبته بكمال الإيمان بيسوع المسيح الذى هو عربون الانبعاث من بين الأموات واعترف بها، مضى ممجداً لله شاكراً من الشيخ. والمغبوط أنبا يهوذا كانت له عناية عظيمة بالاهتمام بالعمارة، وبانية الأديرة التى يسكنها الرهبان، وهو الذى بنى هذه الأديرة الكبار التى فى تخومنا. أحدهم يعرف بدير هميوز وهو على ساحل البحر، والآخر يعرف بدير ديدرا الذى هو بالناحية من المدينة.

وأما أبونا أنبا هدرى فكان مقيماً بالبرية حسب ما سبقنا وقلنا حيث العظام المكشوفة للشمس والدبابات والوحوش المفترسة. وكان ناس وثنيين فى قرية بالقرب من الدير لا يعرفون الله وهؤلاء شاهدوا بالليل لهيب نار عظيم وهو يضئ كالبرق يشق من تلك البرية فتعجبوا وظنوا بجهلهم لما رأوا ذلك اللهيب قائلين أن الشيخ يسرق الغنم ويذبحهم فى الليل ويشويهم بهذه النار التى تشاهدوها. فلما أتوا ذات الليلة ليتشرفوا عليه من السور، ولما اشرفوا على حيط السور خذلت أيديهم والتصقت فى الحيط ولم يقدروا يتحركوا. وعند ذلك صرخوا نحو الحيط إلى القديس أنبا هدرى كى يرحمهم ويغفر لهم ما صنعوا واعترفوا له بجهلهم وقلة إيمانهم. أما الشيخ فإنه صلى إلى الله فأطلقهم من وثاقهم وانصرفوا ممجدين الله.

اسمعوا أيضاً هذا وتعجبوا ومجدوا الله، كانت امرأة أرملة فى ذلك الزمان وثنية ساذجة القلب جداً، وهذه سلموا ابنها إلى الوالى كاللص. أما هى فلبثت محزونة القلب بسببه متوسلة لكل أحد قائلة ماذا أصنع وماذا يكون من أمرى ومن يخلص لى ولدى من الموت. فقال لها جميع من سمعها ليس يمكن لأحد خلاص ابنك سوى القديس أنبا هدرى السائح بنهدب. وعند ذلك حضرت إليه العجوز ومكثت تلح عليه فى السؤال بسبب ابنها وهى باكية تقول كلام الحزن ووجع القلب. فلما رأى الشيخ سذاجتها قال لها امضى واطلبى يسوع وهو يخلص لك ولدك ويطلقه من يد الوالى. أما هى فقبلت القول. انظروا إلى هذه المرأة الوثنية وتعجبوا. فجعلت تسير وتصرخ بكل مكان قائلة أين هو يسوع يخلص لى ولدى. وإن سيدنا يسوع المسيح تحنن عليها إذ هى صارخة باكية وظهر لها وقال لها أنا هو يسوع الذى طلبتيه، قوى قلبك وامضى إلى مجلس الوالى وأنا أخلصك وادعه يطلق لك ولدك. أما هى فأسرعت وهى فرحة. ولما أخرجوا ابنها لينصبوه للعذاب، تطلعت للوقت وأبصرت ربنا يسوع المسيح كأنه يسوس الوالى فى إطلاق ولدها. وهكذا أمر الوالى بإطلاقه، فرجعت العجوز وولدها وهم يمجدون الله فذاع هذا القول بالأكثر من أجل أن الله كشف له مافى الناموس والأنبياء هذا الكامل الذى بلغ إلى هذا المقدار العظيم.

وقيل عن هذا الشيخ المختار أنه فى آخر حياته توجع فى رأسه ولم يتوانى فى العبادة والنسك وهو يقول كأنى اسمع حس أجراس عقلى على هنية. وكان يصنع الشفاء ويشفى كل من يأتى إليه كحاله الأول وكان صابر كأيوب. وبعد هذا تنيح كحال آبائه. الرب الإله يرحمنا بصلاته أمين.