26 فبراير ـ 19 أمشير: سيرة والآمات أمنا القديسة بين القديسين فوتينى السامرية المساوية للرسل

" يا سيد أعطني هذا الماء لكى لا أعطش"  يوحنا 4 : 15

فوتينىالقديسة، وشهيدة المسيح العظيمة. كانت امرأة سامرية من مدينة سوخار. وأول مرة نقابلها فى إنجيل القديس يوحنا. كانت هى المرأة التى تحدث معها ربنا يسوع المسيح عند بئر يعقوب. ويقع هذا البئر عند الطرف الشرقى للوادى الذى يفصل جبل جرزيم وجبل عيبال.

المرأة عند البئر

غادر يسوع اليهودية وسافر شمالاً نحو الجليل. ولقد اختار طريق السامرة عن قصد وقد كان طريقاً لا يحب اليهود أن يعبروه. ولقد نزل من مرتفعات افرايم إلى مدينة فى السامرة تدعى سوخار بقرب الضيعة التى وهبها يعقوب ليوسف ابنه. وكانت هناك بئر يعقوب. وإذ كان المسيح متعباً جلس هادئاً على حجر بقرب البئر. وكان نحو الساعة السادسة (وقت الظهيرة) (يوحنا 4: 3 ـ 6 ).

جاءت امرأة من السامرة تدعى فوتينى لتستقى ماءً. فقال لها يسوع: "أعطيني لأشرب، لأن تلاميذه كانوا قد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعاما. فقالت له المرأة السامرية كيف تطلب مني لتشرب و أنت يهودي و أنا امرأة سامريه. لان اليهود لا يعاملون السامريين. أجاب يسوع و قال لها لو كنت تعلمين عطية الله و من هو الذي يقول لك أعطيني لأشرب، لطلبت أنت منه فأعطاك ماء حيا. قالت له المرأة يا سيد، لا دلو لك و البئر عميقة فمن أين لك الماء الحي. العلك أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا البئر و شرب منها هو و بنوه و مواشيه. أجاب يسوع و قال لها كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً. و لكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا، فلن يعطش إلى الأبد. بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية. قالت له المرأة يا سيد اعطني هذا الماء لكي لا اعطش و لا آتى إلى هنا لاستقي قال لها يسوع اذهبي وادعي زوجك وتعالي إلى ههنا. أجابت المرأة و قالت ليس لي زوج. قال لها يسوع حسنا قلت ليس لي زوج لأنه كان لك خمسة أزواج و الذي لك الآن ليس هو زوجك هذا قلت بالصدق. قالت له المرأة يا سيد أرى انك نبي. آباؤنا سجدوا في هذا الجبل و انتم تقولون أن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه. قال لها يسوع يا امرأة صدقيني، انه تأتى ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب. انتم تسجدون لما لستم تعلمون. أما نحن فنسجد لما نعلم. لان الخلاص هو من اليهود. و لكن تأتى ساعة و هي الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح و الحق. لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له. الله روح و الذين يسجدون له فبالروح و الحق ينبغي ان يسجدوا. قالت له المرأة أنا اعلم أن مسيا الذي يقال له المسيح يأتي. فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شيء. قال لها يسوع أنا الذي أكلمك هو. و عند ذلك جاء تلاميذه و كانوا يتعجبون انه يتكلم مع امرأة. و لكن لم يقل أحد ماذا تطلب أو لماذا تتكلم معها. فتركت المرأة جرتها و مضت إلى المدينة و قالت للناس هلموا انظروا إنساناً قال لي كل ما فعلت ألعل هذا هو المسيح. فخرجوا من المدينة وأتوا إليه. و في إثناء ذلك سأله تلاميذه قائلين يا معلم كل. فقال لهم أنا لي طعام لآكل لستم تعرفونه انتم. فقال التلاميذ بعضهم لبعض ألعل أحداً أتاه بشيء ليأكل. قال لهم يسوع طعامي أن اعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله. أما تقولون أنه يكون أربعة اشهر ثم يأتي الحصاد. ها أنا أقول لكم ارفعوا أعينكم و انظروا الحقول إنها قد ابيضت للحصاد. و الحاصد يأخذ أجرة و يجمع ثمرا للحياة الأبدية لكي يفرح الزارع و الحاصد معا. لأنه في هذا يصدق القول أن واحدا يزرع و آخر يحصد. أنا أرسلتكم لتحصدوا ما لم تتعبوا فيه آخرون تعبوا و انتم قد دخلتم على تعبهم. فآمن به من تلك المدينة كثيرون من السامريين بسبب كلام المرأة التي كانت تشهد انه قال لي كل ما فعلت. فلما جاء إليه السامريون سألوه أن يمكث عندهم فمكث هناك يومين. فآمن به اكثر جدا بسبب كلامه. و قالوا للمرأة إننا لسنا بعد بسبب كلامك نؤمن. لأننا نحن قد سمعنا و نعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلص العالم". ( يوحنا 4: 7 ـ 42 )

القديسة فوتينى بعد حلول الروح القدس يوم الخمسين.

بعد صعود ربنا وحلول الروح القدس على الرسل القديسين يوم الخمسين اعتمدت هذه المرأة المباركة مع ابنيها وخمس أخوات لها على يد الرسل.

بعد ذلك تبعوا جميعهم الرسل بغيرة متقدة نحو المسيح المخلص، وبشروا بالمسيح من مكان لمكان ومن بلد إلى بلد.وحولوا الكثير من الوثنيين من عدم التقوى إلى الإيمان المستقيم بالمسيح.

أثناء حكم الإمبراطور الروماني الكافر نيرون (54 ـ 68 م) صار اضطهاد عظيم على المسيحيين بعد استشهاد أئمة الرسل بطرس و بولس (64م). طلب نيرون أن يطرد جميع تلاميذهم وكل من يؤمن بالمسيح. ولم يعلم عديمو العقل أنه كلما تعقبوا المؤمنين بالمسيح كلما زادوا وثبتوا لأن المسيح قال: "أبواب الجحيم لن تقوى عليك" ـ أى الكنيسة ـ (متى16: 18).

فى ذلك الوقت كانت القديسة فوتينى بصحبة ابنها الأصغر يوسى فى قرطاجنة حيث كانا يبشران بإنجيل المسيح ؛ فاجتذبوا الكثيرين من غير المؤمنين إلى المسيح. أما الابن الأكبر للقديسة فكان فى الجيش الرومانى وكان يدعى فيكتور. وكان يسلك باستقامة وشهامة فى الحرب وانتصر عدة مرات على أعدائهم. ولما رقاه "نيرون" إلى رتبة قائد لم يكن الإمبراطور يعرف أنه مسيحى. وبعد مدة أمر نيرون فيكتور أن يعود إلى إيطاليا لكى يقبض على المسيحيين ويعاقبهم.

تكلم سيباستيانوس أمير إيطاليا مع فيكتور عن هذا الأمر قائلاً: "إنى أعلم جيداً أيها القائد أنك مسيحى . أمك وأخوك يوسى أيضاً مسيحيين وقد تبعوا بطرس وبولس ولكن، على أى حال أنا أنصحك لكى لا تهلك حياتك أن تفعل ما قاله الإمبراطور،أى تنفيذ أوامره لك بمعاقبة المسيحيين".

أجاب فيكتور القائد: "إنى أشتهي أن أصنع مشيئة ملكي السماوي والأبدي المسيح الإله الحقيقي. الأمر الذى أصدره نيرون الإمبراطور لتأديب المسيحيين لا أحتمل مجرد سماعه فكيف أنفذه!"

أجاب الأمير: "إنى أنصحك كصديق حقيقى أن تفعل ما هو لمصلحتك، لأنك إذا جلست على كرسى الحكم لتحاكم وتؤدب المسيحيين سوف يشكرك الإمبراطور، وكل غنى المسيحيين يصبح لك! وأكثر من هذا إنى أحثك أن تبلغ أمك وأخيك ألا يبشروا بالمسيح علناً. انصحهم ألا يعلموا اليونانيين أن ينكروا ديانة آبائهم لئلا يصيبك أذى".

أجاب فيكتور: "الله لا يسمح أن أفعل ما تكلمت به أى أن أعاقب المسيحيين أو أغتصب مالهم. الله لا يسمح أن أشير على أمى أو أخى لكى لا يبشروا بالمسيح الله. بالحق أنا مسيحى وأشتاق أن أكون مبشراً بالمسيح مثلهم وحينئذ دعنا نرى أى شر سيأتى به المستقبل".

بعد أن نطق بهذا الإعلان فقد الأمير بصره فى الحال. وسقط على الأرض بلا كلام بسبب الآلام الفظيعة التى كانت فى عينيه.

والذين كانوا واقفين بالقرب من سيباستيانوس أخذوه ووضعوه على سرير وبقى هناك صامتاً ثلاثة أيام. وأخيراً فى اليوم الرابع صرخ قائلاً: "إله المسيحيين هو الله"! فاقترب منه فيكتور وقال: "لماذا غيرت رأيك فجأة يا سيباستيانوس؟" أجاب الأمير: "لأن المسيح يستدعينى يا فيكتور الحلو عندى".

فى الحال وعظه فيكتور وعرفه الإيمان بالمسيح وبعد ذلك نال المعمودية. وفى اللحظة التى خرج سيباستيانوس من جرن المعمودية رجع إليه بصره ومجد الله. فخاف الوثنيون لما رأوا هذه الأعجوبة، ولئلا يصيبهم ما أصاب الأمير إذا لم يؤمنوا. أسرعوا جميعهم إلى فيكتور الذى علمهم الإيمان بالمسيح ثم اعتمدوا. 

بعد قليل ذاعت أخبار ما حدث فى كل روما وأخيراً وصلت مسامع نيرون. كان من المستحيل أن يخفوا أمر سيباستيانوس والقائد العام لإيطاليا فيكتور، بأنهم يعلنان تعاليم بطرس وبولس وباقى الرسل..وأكثر من هذا كانت فوتينى ويوسى فى قرطاجنة حيث أرسلهم الرسل. وبنفس الأسلوب كانا يعترفان بالمسيح بغيرة مثل فيكتور.

وإذ غضب الإمبراطور أرسل رجاله لتجميع المسيحيين من كل إيطاليا رجالاً ونساءً إلى روما. ولكن الرب ظهر للمسيحيين قائلاً: "تعالوا إلىَّ يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم". (متى 11 : 28) ، "لا تخافوا لأنى معكم وأنا اشتهى أن أقهر نيرون ومن معه".

ثم قال الرب لفيكتور: "من الآن سيكون اسمك فوتينوس لأن بواسطتك أريد أن يستنير الكثيرين ويؤمنون بى. عليك أن تقوى سيباستيانوس بكلماتك من أجل الشهادة حتى إذا جاهد إلى النهاية يصير مباركاً ومغبوطاً". ولما نطق بكلمات التشجيع هذه صعد الرب إلى السموات.

كل هذا أُعلن لفوتينى القديسة بالإضافة إلى أحداث مستقبلية. فقررت أن تغادر قرطاجنة (Carthage) وتذهب إلى روما مع كثير من المسيحيين. وصولها سبب اضطراب فى روما كلها. وكانوا يتساءلون فى كل مكان: "من هذه التى أتت بحشد عظيم هكذا؟" فكان اعتراف القديسة فوتينى التى بلا عيب بالمسيح بجرأة زائدة.

فى ذلك الوقت اصطحب جنود نيرون الابن الأكبر لفوتينى الذى أصبح اسمه فوتينوس مع سيباستيانوس إلى روما. وأثناء ذلك قُبض على فوتينى وأحضروها وآخرين للمحاكمة أمام نيرون.

سألهم نيرون قائلاً: "لماذا جئتم إلينا".

أجابت القديسة: "جئنا حتى نعلمك أن تؤمن بالمسيح".

وفى تلك اللحظة أعلن الخدام للإمبراطور عن قدوم الأمير سيباستيانوس والقائد العام فيكتور. فقال الإمبراطور: "دعوهم يدخلون".

ولما أحضروا فوتينوس و سيباستيانوس إلى الإمبراطور خاطبهما قائلاً: "ماذا سمعت عنكما؟

أجاب القديسان: "كل ما سمعت أيها الإمبراطور هو حق". فنظر نيرون ذو النفس الخبيثة شذراً إليهما وهم يشهدون للمسيح. وقال لهما : "أنكرا المسيح أم تفضلان أن تموتا ميتة شريرة؟" فرفع القديسان عيونهم نحو السماء وقالا : "لا تدع هذا يحدث أيها الملك المسيح أن ننكرك ونفصل أنفسنا عن إيمانك وعن محبتك!"

ثم استجوب نيرون النسوة قائلاً: "ماهى أسماؤكن؟". وكانت فوتينى أول واحدة تسلم نفسها. فتقدمت القديسة وأجابت: "لقد سُميت فوتينى بواسطة يسوع المسيح إلهى، وهاهي أختي الأولى التى ولدت بعدى واسمها أناتولى. أختي الثانية فوتو، والثالثة فوتيس، والرابعة باراسكيفى، والخامسة كيرياكى. الأكبر فى أولادي هو فيكتور الذى سماه الرب فوتينوس. ابنى الثانى هو الذى معى ويدعى يوسى".

فقال نيرون لهم: "هل تعاهدتم جميعكم أن تتألموا من أجل الناصرى وتموتوا من أجله؟"

أجابت القديسة فوتينى: "نعم كلنا نفرح ونسر أن نموت من أجل محبة ربنا".

فأمر الطاغية أن تُسحق مفاصل أصابعهم بكرات حديدية. فقبضوا على القديسين وأحضروهم إلى ساحة التعذيب. ولما وضعوا أيديهم على السندان كان صوت الطرقات مسموعاً. واستمر هذا من الساعة الثالثة فى النهار إلى الساعة السادسة. وبذلك كانت أيديهم تُضرب لمدة ثلاث ساعات. ولكن لم يشعر الشهداء بهذه العقوبات أبداً بل ولم تتمزق أياديهم نتيجة الضرب.

ولما علم نيرون أن العقوبة لم تؤثر فيهم ارتعش من هذه الظاهرة الغريبة. وحينئذ حكم بقطع أيدى الشهداء. وفى الحال قبض الجلادون على فوتينى وربطوا يديها. ثم وضعوا يديها على السندان وبدءوا يضربون بالسكاكين. وكانوا يكررون هذا مرات عديدة ولكنهم أبداً لم يقدروا على قطع اليد. كانوا يضربون ضربات عنيفة وعديدة حتى سقطوا من الإعياء على الأرض كموتى. وإذ بقيت القديسة بلا أذى قدمت الشكر لله قائلة: "الرب لي فلا أخاف ماذا يصنع بي الإنسان" (مزمور  118 : 6).

ارتبك الإمبراطور وفكر فيما عسى أن يفعل حتى يغلب الشهداء ويرجعهم إلى طريقة تفكيره. فأمر بوضع الرجال فى سجن مظلم. وبإرسال فوتينى وأخواتها الخمس إلى حجرة ذهبية فخمة. وفى داخل الحجرة وضعت مائدة ذهبية وسبع عروش ذهبية وأدوات ذهبية وملونة للزينة  وملابس

بعد ذلك ألزم نيرون ابنته دومنينا أن تدخل الحجرة مع جواريها وتنضم إلى جماعة المسيحيين. لقد ظن ذلك الرجل أنه سيجعلهم يغيرون رأيهم بواسطة هذه المخادعات. كما وعد القديسات أيضاً أنهم إذا أنكروا المسيح سيكن مفضلات جداً وينلن مجداً وكرامة. بالإضافة إلى امتلاك كل ما بالحجرة وأكثر منه. ولكن هذا المحتال كان هو نفسه مخدوعاً لأن القديسات أصحاب الفكر السمائى احتقرن كل هذه الهدايا مثل النفاية، ولم يردن حتى أن يلمحنها ببصرهن.

ولما رأت القديسة فوتينى دومنينا قالت: "افرحى يا عروس سيدى".

أجابت دومنينا: "افرحى أنت أيضاً يا سيدتى يا مصباح المسيح"

فرحت جداً القديسة فوتينى حين سمعت دومنينا تصرح باسم المسيح، فشكرت الرب محتضنة إياها وقبلتها. حينئذ علمتها الإيمان وتعمدت مع جواريها المائة والخمسون. وأعطت دومنينا اسماً جديداً هو أنثوسا.

ثم أمرت أنثوسا المباركة رئيسة خادماتها التى تدعى ستيفانيدا أن توزع كل الحلى الذهبية والنقود التى فى الحجرة الذهبية على الفقراء.

وعندما علم نيرون بهذا تنهد بسخط من أعماق قلبه. وحالاً أمر عبيده بإيقاد أتوناً لمدة سبعة أيام، ثم يضعوا فوتينى وكل من معها فى الأتون ويتركوهم ثلاثة أيام.

بعد مرور ثلاثة أيام افترض الطاغية أن النار أكلت المسيحيين لذا أمر رجاله بفتح الأتون وإذا وجدوا عظام الشهداء باقية فليلقوها فى النهر. فتح الجنود الأتون ووجدوا القديسين أصحاء بلا أذى، مُسبحين وممجدين الله. هذا المنظر غير العادى أذهل الواقفين. وتعجبوا كيف أن النار لم تمس المسيحيين. وبالرغم من أن كل من سمع ورأى هذا الأمر الغير طبيعى والمعجزى كانوا مندهشين للغاية إلا أنهم مجدوا الله.

ولما أبلغوا الطاغية بالمعجزة أمر بأن يجعلوا المسيحيين يشربوا سماً مميتاً. واستدعى لامباديوس الساحر الذى كان يحضِّر مثل هذه الجرعات. أعطى لامباديوس السم أولاً لفوتينى، فأخذت الشراب السام فى يديها. وقالت للساقى: "نحن لا يجب علينا أبداً أن نمسك بأيدينا ما أعددته ولا يجب أن نشرب منه لأنك غير طاهر، ولكن لكى تعلم أيها الإمبراطور ويعلم هذا الساحر قوة مسيحى فأنا أشرب هذا أمام الجميع؛ باسم سيدنا يسوع المسيح إلهنا. وبعد ذلك أجعل الباقيين معى يشتركوا فى الشراب". وشربت السم وكذلك شرب جميع الشهداء. وبمعونة الله بقوا جميعاً بلا أى أثر سئ كما لو أنهم لم يشربوا شيئاً. دهش الساحر لهذه الظاهرة، والتفت إلى القديسة فوتينى وقال: "لقد اخترعت سماً آخر أقوى إذا شربتيه ولم تموتى فى الحال أنا أيضاً سوف أؤمن بإلهك".

أحضر لامباديوس الجرعة؛ وشرب منها الجميع. فلم يصب أى أحد من مجاهدى المسيح بأي أذى. ولما رأى الساحر ما حدث بقى ذاهلاً وساكتاً. ولما أفاق إلى نفسه جمع فى الحال كل كتب السحر وألقاها فى النار. وإذ آمن بالمسيح اعتمد وأُعطى اسماً جديداً هو ثيئوكليتوس.

ولما علم نيرون أن الساحر اعترف بالمسيح، أمر عساكره بالقبض عليه. فأخذوا ثيئوكليتوس من وسط الشهداء المسيحيين وأخرجوه خارج أسوار روما حيث قطعوا رأسه بالسيف. وبهذه الطريقة نال ثيئوكليتوس المبارك إكليل الشهادة قبل الآخرين.

ثم أمر نيرون كاسر الناموس، رجاله أن يقطعوا أوصال ( أوتار عضلات) القديسين مبتدئين بالقديسة فوتينى. وعندما حاول الجنود أن ينفذوا هذه المهمة الشيطانية، ازدرى المسيحيون بالإمبراطور واحتقروا آلهته كآلهة بلا قوة. ولما لاحظ الإمبراطور أن هذه العذابات لم تفسد روحهم المعنوية، أمر هذا الطاغية القاسى أن يصبوا رصاصاً سائلاً ممزوجاً مع كبريت بعد غليهم فى أفواه المجاهدة فوتينى. وأما الباقيين فصبوا هذا المزيج على ظهورهم.

بعد أن نفذ خدامه الأوامر الإمبراطورية صرخ الشهداء بصوت واحد : "إننا نشكرك أيها المسيح إلهنا أنك رطبت قلوبنا بالرصاص المغلى كما لو كانت قلوبنا عطشة جداً". صُعق نيرون عند سماع هذا التصريح. ولذلك أمر بأن يعلقوا المسيحيين ويجلدوهم دون أى اعتبار. ثم بعد ذلك يحرقوهم بالمشاعل. ومع هذا كلما عذب الوثنيون المسيحيين كلما تقوى هؤلاء المباركون بالنعمة الإلهية وأعطوا الشكر لله. أما ذلك الشقى الأحمق أى نيرون فقد تخيل أنه يمكن أن يتغلب على الشهداء بالتعذيب فأمر الجلادين أن يمزجوا رماداً بخل وأن يصبوا هذا المزيج الحامض اللاسع فى أنف الشهداء. أثناء هذا أعلن الشهداء أنهم اشتموا رائحة أحلى عسل وشمع العسل. ولما بلغوا الطاغية بهذا الأمر غضب جداً وأمر الجلادين أن يفقدوهم أبصارهم. وبعد هذا أن يغلقوا عليهم فى سجن مظلم وقذر مملوء بالثعابين السامة.

بعد أن حدث هذا سبح القديسون الله ومجدوه. حينئذ ماتت الثعابين. والسجن ذو الرائحة النتنة فاض بعبير لا يقارن بشئ. تحولت الظلمة إلى نور ساطع ووقف الرب وسط القديسين قائلاً: "سلام لكم". ثم أخذ المخلص يد فوتينى وأقامها قائلاً: "افرحى دائماً لأنى معك كل أيام حياتك".  وفى الحال عاد البصر إلى عيون الشهداء على كلمة الرب. وإذ رأوا الرب أمامهم سجدوا له. وباركهم الرب قائلاً : "كونوا شجعان وأقوياء". وبينما كان الرب صاعداً إلى السماء سقطت جروح الشهداء مثل قشور واستعادوا صحتهم.

فى هذه الأثناء حكم نيرون ـ كاره الله ـ على الشهداء أن يُتركوا فى السجن ثلاث سنوات حتى تضعف قواهم. وقد حكم عليهم بمثل هذه العقوبة حتى يعرضهم لكل أنواع الشدائد والآلام قاصداً لهم ميتة رهيبة.

بعد مرور ثلاث سنوات أمر الإمبراطور بإخراج أحد خدامه الذى كان فى السجن وأن يعدموه بالسيف. وإذ لاحظ الذين ذهبوا لينفذوا الأمر أن المسيحيين أصحاء، ذكروا هذا لنيرون. وقدموا تقريراً بأن "الجليليين" الذين أفقدوهم البصر قبلاً الآن يبصرون وبصحة جيدة. وأعلموه أن الجب الذى كانوا فيه مملوء بالنور ويفوح منه عبير لا يوصف. ثم وصفوا له أن السجن قد تحول إلى غرفة مقدسة حيث تمجد إله المسيحيين فى المسيحيين. فى الحقيقة أسرعت الجموع إلى السجن حيث آمنوا بإله المسيحيين واعتمدوا.

فقد نيرون عقله عند سماع هذا التقرير وأرسل جنوده ليحضروا القديسين أمامه. وإذ وقفت القديسة فوتينى وعائلتها أمامه قال لهم: "ألم أوصيكم ألا تبشروا باسم المسيح؟ كيف أنكم تنادون به فى السجن؟ بسبب هذا سوف تعذبون بعقوبات كثيرة". أجاب القديسون: "افعل ما تشتهى. نحن لا نريد أن نكف عن التبشير بربنا يسوع المسيح كإله حقيقى وخالق الكل".

أشعل هذا غضب الإمبراطور حتى إنه حكم بصلب القديسين منكسي الرؤوس. وأمر بتمشيط أجسادهم لمدة ثلاثة أيام حتى تنحل أعصابهم. بعدما نفذ الجلادون الوحشيون البربريون هذا الحكم تركوا القديسين معلقين على صلبانهم أربعة أيام أخرى تحت الحراسة. ثم عادوا لينظروا إن كان المسيحيون مازالوا أحياء. ولما نظروا المسجونين مصلوبين؛  فجأة فقد الحراس أبصارهم. ونزل ملاك من السماء وفك القديسين وأنزلهم من على الصلبان. وبعد أن أعطى التحية لشهداء المسيح شفاهم من كل ما أصابهم. ولكن القديسة فوتينى أشفقت على الجنود العميان. ونطقت بصلاة للرب من أجلهم وفى الحال عاد إليهم البصر، فآمنوا بالمسيح واعتمدوا. لم يمض وقت طويل حتى أعلموا نيرون بهذه الحادثة. فأمر بسلخ جلد المباركة فوتينى. وبينما هم يقومون بهذا رنمت القديسة: "يا رب قد اختبرتني وعرفتني" (مزمور 139 : 1). ولما سلخوا جلد هذه الشهيدة العظيمة طرحوها فى بئر جاف ورموا جلدها فى النهر.

أما باقى الشهداء الرجال أى سيباستيانوس وفوتينوس ويوسى فقد أمسكوهم وقطعوا أعضاءهم التناسلية ورموها للكلاب. بعد ذلك سلخوا جلدهم ورموه فى النهر. ثم حبسوهم فى حمام قديم. أما الأخوات الخمسة : أناتولى وفوتو وفوتيس وبارسكيفى وكيرياكى فقد أحضروهن أمام نيرون. فأمر بقطع ثدى كل واحدة منهن ثم سلخهن. ولكن لما أتى رجال الإمبراطور ليسلخوا جلد القديسة فوتيس لم تدع أحد من الرجال يمسكها. وقامت بنفسها بسلخ جلدها بشجاعة وجرأة حتى أن الطاغية ذهل من هذه النفس الثابتة العزم.

حينئذ أمر ذاك الرجل ذو القلب الشرير الأسود بعقوبات مميتة ومفجعة على فوتيس. فأمر بربط قمة شجرتين فى حديقته بالحبال وأن يميلوهما حتى يربطوا المباركة فوتيس بهما. ولما قطعوا الحبال انشقت مجاهدة المسيح فوتيس إلى نصفين وعند هذا أسلمت نفسها المقدسة فى يدى الله. ثم أمر ذلك النجس نيرون بقطع رؤوس كل القديسين الآخرين ما عدا فوتينى.

ثم رفعوا فوتينى المباركة من البئر وطرحوها فى السجن إلا أنها حزنت لأنها لم تحظ بإكليل الشهادة مع الآخرين. ولأنها اشتهت أن تشابه المسيح فى الطاعة والألم تضرعت إلى الله من أجل هذه الورطة. فظهر لها ملاك الرب ورشمها ثلاث مرات بعلامة الصليب المكرم والمحيى، وشفى كل جراحاتها. وبعد بضعة أيام بينما كانت القديسة فوتينى تسبح وتبارك الله أسلمت نفسها الغالية فى يديه. وهكذا انتقلت مع كل رفقاءها المجاهدين إلى الله المشتهى جداً ونالوا ملكوته السماوى. فلنكن نحن أيضاً مستحقين أن ننال صلواتهم. أمين.

 

أنت يارب منحت السامرية معرفة قوتك ولذلك هى التى تسبحك لن تعطش إلى الأبد

Photine the Samaritan woman

عن كتاب :The Live of Holy Women Martyrs

ترجمة د.مرفت اسكندر فى 11مارس2000م الموافق 2 برمهات  1716ش

فوتينى اسم يونانى يعنى مضئ أو منير أو مشرق . وهكذا يصبح معنى الاسم "الذى ينشر نور المسيح"

قرطاجنة مدينة معروفة فى شمال أفريقيا (فى تونس حالياً).

ديانة أهل قرطاجنة نشأت من أصل ديانة الفينيقيين . وآلهتهم تشمل بعل وعشتاروت وملوخ وآخرين. وعبادتهم تشمل ذبائح إنسانية وطقوس شهوانية نجسة.

من تسبحة باكر فى أحد السامرية ( الكنيسة اليونانية)

 

Back