6 مارس ـ 27 أمشير: الشهيدة بربيتوا

(عن:  قاموس أباء الكنيسة وقديسيها القمص تادرس يعقوب ملطى، الاستشهاد فى المسيحية الأنبا يؤانس، الشهيدة بربيتوا عن الكتاب الشهرى لبيت التكريس سبتمبر 1998، الشهيدة العظيمة بربتوا القس يؤانس كمال.)

 عاشت بربيتوا فى مدينة قرطاجنة فى شمال أفريقيا فى أواخر القرن الثانى وأوائل القرن الثالث لميلاد المسيح. كان والدها وثنياً، أما والدتها فكانت مسيحية لذلك علمت أولادها مبادئ المسيحية وفضائلها وهذبتهم بالأخلاق الحميدة، ولكنها لم تستطع أن تعمدهم خوفاً من زوجها الوثنى. وكان لهذه السيدة الفاضلة ولدان وبنتاً هى القديسة بربيتوا. فلما كبر الولدان، تعمد أحدهما دون علم والده، أما الولد الثانى وأخته بربيتوا فكانا يستعدان كموعوظين لنوال سر العماد المقدس.

ولما بلغت بربيتوا عامها الحادى والعشرين زوجها والدها بشاب وثنى غنى جداً . وكانت بربيتوا تذهب مع أخيها وآخرين ليتعلموا الكتب المقدسة فى الكنيسة كموعوظين للاستعداد للمعمودية دون علم زوجها الوثنى. ثم رزقها الرب طفلاً بعد عام من زواجها.

فى عام 203م خلال الاضطهاد الذى أثاره الإمبراطور ساويرس ضد المسيحيين ، ألقى مينوسيوس والى أفريقيا القبض على خمسة مؤمنين كانوا فى صفوف الموعوظين ، هم ريفوكاتوس وزميلته فيليستي التى كانت حاملاً فى الشهر الثامن، وساتورنينوس ، وسيكوندولس وفيبيا أو فيفيا بربيتوا التى كانت تبلغ من العمر 22 عاماً. ألقى القبض على هؤلاء الموعوظين الخمسة، ولحق بهم رجل يدعى ساتيروس ، يبدو أنه كان معلمهم ومرشدهم، تقدم باختياره ليسجن معهم حتى يكون سنداً لهم ويشاركهم أتعابهم.

أما بربيتوا فتركت طفلها الرضيع واقتادوها إلى السجن مع الباقين. وكان والد بربيتوا يحبها جداً ويوليها اهتماماً خاصاً. فذهب إليها فى السجن وهو يبكى محاولاً التأثير عليها عاطفياً وإرجاعها معه. وكتبت بربيتوا بخط يدها تروى ما حدث فى السجن مع والدها فقالت : "حينما كنت مع رفاقى فى السجن كان والدى ينظر إلى بحزن شديد جداً محاولاً أن يرجعنى عن إيمانى الجديد بكل الطرق. وكان يعتقد إننى سوف أتأثر بمحبته لى وأستجيب لكلامه، فقال لى: "هل يسرك ما أنت فيه الآن يا بربيتوا؟ هل نسيت طفلك الرضيع الذى هو فى أشد الاحتياج إليك، فاشفقى على شيخوخة والدك وعودى معى إلى بيتك". فقلت له :"يا أبى أنا لن أقبل أن يكون لى اسم آخر سوى أن أدعى مسيحية". فغضب والدى جداً وهجم علىَّ يريد اقتلاع عينى ولكنه تراجع واكتفى بإن هزنى هزاً عنيفاً ثم تركنى..وفى تلك الأيام جاءنا كاهن ونلنا جميعاً سر المعمودية المقدس ونحن فى السجن".

تقول بربيتوا: "لما دخلنا السجن هالنى ما به من ظلمة وضيق لأننى اعتدت على الرفاهية والراحة، كما كان زحام الزنزانة يؤلمنى جداً و يجعلنى أشعر بالاختناق. وكانت معاملة الجنود قاسية جداً ليس فيها أى نوع من الشفقة. وزاد على ذلك كله قلقى الشديد على طفلى الرضيع. ثم استطاع إثنان من الشمامسة هما ترتيوس وبومبونيوس أن يدفعا للجند مالاً نظير تغيير الزنزانة بأخرى أوسع منها، وفعلاً تم لنا ذلك. ثم أحضروا لى طفلى الصغير لأرضعه وجاءت أمى وأخى فشجعتهما على الثبات فى الإيمان إلى النفس الأخير ثم تركت الطفل معهما ليتولوا العناية به. وحصلت على إذن من المسئولين لكى يحضروا لى طفلى لأرضعه من حين لآخر فزال قلقى من جهته وأصبح السجن بالنسبة لى بمثابة مكان مريح وفسيح حيث أنطلق فى الصلاة والتسبيح دون عائق".

افتقدها أخوها فى السجن وصار يحدثها بأنها تعيش فى مجد، وأنها عزيزة لدى الله بسبب احتمالها الآلام من أجله، وقد طلب منها أن تصلى إلى الرب ليظهر لها إن كان الأمر ينتهى بالاستشهاد. بكل ثقة وطمأنينة سألت أن يحضر إليها فى الغد لتخبره بما سيعلنه لها السيد. وظلت بربيتوا تصلى طوال الليل من أجل أن يعلمها الرب بما سيحدث.

وبالفعل قبيل الفجر غلبها النوم للحظات قليلة فرأت رؤيا سماوية عجيبة، راحت تحكيها بخط يدها فقالت: "رأيت سلماً ذهبياً عالياً جداً يصل رأسه إلى السماء وكان هذا السلم ضيقاً جداً، وبالكاد يصعد عليه واحد فقط. وكانت توجد أسلحة كثيرة وسيوف وخناجر ورماح على جانبى السلم. ومن يصعد على هذا السلم دون احتراس كانت هذه الأسلحة تمزقه تمزيقاً. وكان هناك تنين هائل يقف على أول درجة من السلم من أسفل، فكان يخيف كل من يقترب لكى يصعد على هذا السلم. ثم رأيت ساتيروس الشماس الذى كان يعظنا ويعلمنا الكتب المقدسة وهو يصعد وحينما وصل إلى قمة السلم قال لها: "بربتوا ..إنى فى انتظارك. ولكن احذرى التنين لئلا يفترسك". فقلت له بشجاعة: "باسم يسوع المسيح لن يضرنى". ثم نظرت إلى التنين وإذ به لا يستطيع الحركة وخفض رأسه حتى الأرض ولم يعد قادراً على أى هجوم. فتشجعت ودست على رأسه بعد أن رشمت عليه علامة الصليب بقدمى كأنه أول درجة فى السلم فلم يؤذنى. ثم رأيت فردوساً جميلاً وفى وسطه إنسان طويل القامة، شعره أبيض كالثلج وملابسه بيضاء، وكان يسقى الحملان لبناً وحوله ألوف متسربلين بثياب بيض. فلما رآنى قال لى: "مرحباً بك يا صغيرتى بربيتوا" . ثم أعطانى كعكة حلوة المذاق جداً فأخذتها وأكلتها وسمعت كل الذين حوله يقولون بصوت واحد "أمين" . فاستيقظت على الفور وأنا أشعر بحلاوة تملئ حلقى ، فعلمت أنه ينبغى أن أتألم كثيراً من أجل المسيح ومن وقتها لم يعد لى أمل فى هذه الحياة الدنيا".

تقول بربيتوا : "بعد عدة أيام ترددت أنباء أنه سيتم استجوابنا (بربيتوا ومن معها) ولما علم والدى بالخبر حضر إلىَّ والألم واضح على محياه ووجهه يعتصر من الألم.. وكان فى حزن مميت وقال لى: ابنتي الحبيبة بربيتوا. ارحمي شيبتي.. ارحمي شيخوختي. أشفقي على أبيك. إن كنت بعد أستحق أن أكون أبوك لقد ربيتك بهاتين اليدين، لقد أحببتك وميزتك على سائر اخوتك.. لا تحتقرى مشاعرى وتسلمينى إلى مذمة الناس اذكري أمك واخوتك.. وابنك الرضيع الذى لن يستطيع أن يعيش بدونك..اتركى عنك هذا الكبرياء ..ولا تكونى سبباً فى ضياعنا جميعاً لأنه لن يجرؤ أحد على رفع صوته إذا وقع عليك أى عذاب..

كان والدى يتكلم هكذا لفرط محبته لى . وكان يتكلم وهو يقبل يدى ويرتمى على قدمى وهو ينادينى "يا سيدتى" بدلاً من "يا ابنتى" وأعترف أنه اعترانى حزن شديد لأنه لن يستطيع أن يفرح باستشهادى على اسم المسيح".

فى اليوم التالى صدر أمر بمحاكمة بربيتوا ومن معها على يد الحاكم هيلاريان. ولما جاء دور بربيتوا دخل والدها مسرعاً ومعه الطفل الصغير للتأثير عليها فلما رأى الحاكم هذا المشهد المؤثر جداً قال لها: "ارحمي طفلك هذا واسجدى للآلهة وأنا أطلق سراحك على الفور". ولكن بربيتوا كانت قوية جداً فى ردودها على الحاكم الذى حاول أن يعدها بغنى ومركز عال وكان يلاطفها كثيراً. ولما لم يفلح معها الحاكم أمر أن تلقى للوحوش المفترسة. فوضعوهم فى السجن يوماً آخر ظانين بذلك أن بربيتوا بعد أن عرفت مصيرها، سوف تتراجع من الخوف هى ومن معها.

تقول بربيتوا: "فلما عدت لكى أرضع ابنى، عاد إلىَّ الشماس بومبونيوس يخبرنى بأن أبى رفض أن يعيده إلىَّ وكأن هذه هى إرادة الله.. فلا الطفل عاد يطلبنى ولا صدرى عاد يدر اللبن..!! فتوقف قلقى فى الحال وزال الألم الذى كان يعاودنى فى صدرى من جراء إنحباس اللبن.. وأحسست أن روحى حرة طليقة من كل رباطات جسدية بدون عذاب". وكان الحاكم هيلاريان قد أمر بجلد بربيتوا ومن معها ثم وضعها فى السجن إلى الغد. ورأت بربيتوا هذه الرؤية وهى فى السجن تصلى إذ قالت: "رأيت بومبونيوس الشماس وكان يرتدى تونية بيضاء بدون البطرشيل ويحتذى حذاءً غريباً من الذهب والفضة وقال لى: "نحن فى انتظارك يا بربيتوا". ثم أخذنى من يدى ومشينا فى بلد مقفر حتى وصلنا إلى الساحة ثم تركنى بعد أن شجعنى بأنه سوف يكون معى. وجاءت حشود من الناس لمشاهدتنا، ولما لم أر أمامى وحشاً واحداً مفترساً تعجبت لأن الحكم صدر بأن ألقى للوحوش المفترسة، ثم ظهر شخص قبيح المنظر جداً ومعه كثيرون كانوا يضايقوننى ويحاربوننى بطرق شتى. ثم رأيت على الجانب الآخر حشداً هائلاً من رجال أتقياء يشجعوننى ثم رأيت أن جسمى كله مدهون بالزيت وأصبحت رجلاً لا إمراءة. فتقدم رجل بيده صولجان وسعف النخل وفيه تفاحات من ذهب، فصمت الجميع ليسمعوه ثم نظر إلىَّ وهو يشير إلى المارد القبيح المنظر وهو يقول: "إذا استطاع هذا المارد أن يغلبها فليقتلها بسيفه، أما إن استطاعت هى أن تغلبه فلتتقدم لتأخذ سعف النخل". فاقترب نحوى وحاول مصارعتى بكل قوته، أما أنا فأقدمت عليه وضربته بقبضة يدى. فبادلنى الضرب وحاول أن يمسك رجلى ليسقطنى على الأرض أما أنا فطفقت أصارعه بقوة رب الجنود ، وأحسست إنني أرتفع فى الهواء فوق مستوى الأرض، فأصبحت فوقه وضربته بقوة كأنى لست بشراً .. ولكى لا تدوم المعركة طويلاً أخذت أضربه بكلتا يدى ولما قبضت على رأسه دفعته فسقط على وجهه، فأسرعت ودست رأسه. وحينئذ توجهت إلى رئيس المحفل حيث أخذت منه سعف النخل فقبلها وقال: "سلام لك يا بنيتى". ثم وجدت نفسى أتقدم إلى باب الحياة لأدخل منه ولما استيقظت، علمت إن جهادى هو مع الشياطين مع قوات الظلمة و ليس مع الوحوش الضارية". كان هذا آخر ما كتبته بربيتوا بخط يدها قبل ذهابها إلى الاستشهاد.

أما فيليستى فكانت فى العشرين من عمرها. وكانت متزوجة حديثاً وكانت على وشك الولادة. فلما علمت أن يوم الاستشهاد قد اقترب وهى لم تلد. حزنت جداً لأن القانون الرومانى يحرم قتل الحبلى قبل ولادتها. فطلبت من الرب كثيراً ألا يحرمها من ذلك لكى تكون مع رفاقها، فولدت فى نفس هذا اليوم بنتاً فأخذتها إمرأة مسيحية لترعاها وتعتنى بها. ولما كانت فيليستى تصرخ وقت آلام المخاض قبل ولادتها مباشرة، قال لها حارس السجن: "إذا كنت لا تحتملين هذا الألم فكيف تحتملين أنياب الوحوش ومخالبها". فقالت له القديسة فيليستى: "إننى أنا التى أتألم الآن، أما غداً فسوف يتألم عنى آخر هو سيدى يسوع المسيح. اليوم القوة الطبيعية تقاوم الطبيعة، أما غداً فسوف تنتصر النعمة الإلهية على أشد ما أعددتم لى من العذابات".

ثم تناول الجميع وجبتهم الأخيرة فى السجن بل فى هذه الدنيا الزائلة وكان يعلو وجوههم فرح سماوى عجيب. ثم خرجوا من السجن إلى الساحة بقوة وشجاعة. فأمر الحاكم أن يرتدى الرجال ملابس كهنة الأوثان. أما النساء فيرتدين ملابس النساء الوثنيات.فرفضت بربيتوا بشجاعة أن ترتدى هذه الثياب.فَسُمِح لهم بدخول الساحة بملابسهم العادية.

بعد جلد بربيتوا ومن معها. أطلقوا الوحوش عليهم. وكان أول من استشهد هو الشماس الذى كان يعلم بربيتوا ومن معها. فقال وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة للحارس: "قل لبربيتوا إننى سبقتها إلى المجد كما رأتنى فى الرؤيا". وهكذا نال إكليل الشهادة.

ثم أطلقوا بقرة متوحشة على بربيتوا فسقطت على الأرض ممزقة الثياب، فجمعت قواها بسرعة ونهضت لتجمع ملابسها الممزقة وتستر بها جسدها الذى شوهته الجراحات. وكذلك فعلوا مع فليستى، فهاجمتها بقرة متوحشة رفعتها إلى أعلى وطرحتها على الأرض بقسوة. ولما أفاقت قالت لبربيتوا: "متى سيلقوننا للوحوش؟" وكأنها لم تشعر بأى ألم كمن قد شهدت رؤيا سماوية..ثم تقدم أحد الجنود وضرب عنق بربيتوا بالسيف، فلم تمتها الضربة وسقطت على الأرض وسط بركة من الدماء الغزيرة. فرفعت يدها بجهد شديد وألم قاسى لتشير إلى السياف وتريه مكان الذبح فى الرقبة. فضربها ضربة قوية ثانية فصلت رأسها عن جسدها ونالت إكليل الشهادة. وكان ذلك فى السادس من شهر مارس كما جاء فى أعمال الشهداء حسب الكنيسة الغربية. صلاتهم تكون معنا أمين.