29 أمشير: شهادة القديس بوليكاربوس أسقف سميرنا 

في هذا اليوم من سنة 167 م استشهد القديس بوليكاربوس أسقف سميرنا بأزمير. بدأ حياته في أواخر الجيل الأول المسيحي وتتلمذ للقديس يوحنا الإنجيلى، وهو الذي يعنيه الرب بقوله: "اكتب إلى ملاك كنيسة سميرنا. هذا يقوله الأول والآخر أنا أعرف أعمالك و ضيقتك وفقرك مع أنك غنى وتجديف القائلين أنهم يهود وليسوا يهود بل هم مجمع الشيطان. لا تخف البتة مما أنت عتيد أن تتألم به. هوذا إبليس مزمع أن يلقى بعضا منكم فى السجن لكى تجربوا ويكون لكم ضيق عشرة أيام. كن أمينا إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة" ( رؤ 2 : 8- 10 ) . وقد سافر القديس إلى رومية سنه 157م لاقناع أنيكسيتوس أسقف رومية بشأن عيد الفصح، ثم عاد وباشر أعماله الرعوية، وأقام علي كرسى الرعاية زمانا كبيرا حتى شاخ. ووضع مقالات كثيرة وميامر عديدة عن الميلاد المقدس، والموت والجحيم والعذاب، وعن العذراء القديسة مريم، وعن تدبيرات المخلص وغير ذلك. وجذب إلى الرب نفوسا كثيرة بتعاليمه المحيية.

ولما أثار مرقس أوريليوس الاضطهاد علي المسيحيين ضيقوا الخناق علي القديس قائلين: "احلف فنطلق سراحك. اشتم المسيح". فأجاب بوليكاربوس قائلا: "ستة وثمانين سنة خدمته ولم يفعل لي ضررا فكيف أجدف علي ملكي الذي خلصني؟"

ثم قال له الوالي: "إن كنت تستخف بالوحوش، فسأجعل النيران تلتهمك إلا إذا تبت". فقال القديس بوليكاربوس: "إنك تهددني بالنار التى تشتعل ساعة وبعد قليل تنطفئ. لأنك لا تعرف نار الدينونة العتيدة والقصاص الأبدي المحفوظ للأشرار، ولكن لماذا تتباطأ. أفعل ما بدا لك".

وبعد اضطهادات مريرة وتهديدات عديدة أراد هذا القديس أن يسفك دمه علي اسم المسيح. فأوصى  شعبه وعلمهم أن يثبتوا في الإيمان وعرفهم أنهم سوف لا يرون وجهه بعد ذلك اليوم، فبكوا وتعلقوا به محاولين منعه، ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك أما هو فذهب واعترف بالرب يسوع، وبعد عذابات كثيرة نالها أمر الوالي بقطع رأسه ونال إكليل الحياة. وأخذ بعض المؤمنين جسده وكفنوه ودفنوه بإكرام.

صلاته تكون معنا. ولربنا المجد دائما أبديا. أمين.

يقول الأنبا يؤنس فى كتابه الاستشهاد فى المسيحية: "..ففى سنة 155م وفى عهد الإمبراطور بيوس Antoninus Pios اندلعت نار الاستشهاد مستعرة فى أزمير، فعذب عدد من المسيحيين، أو ألقى بهم للوحوش الضارية. وطالب الوثنيون بالبحث عن بوليكاربوس. وحين علم بذلك، رغب فى أن يبقى حيث هو فى أزمير، غير أن الأخوة حثوه على مغادرتها. فانسحب إلى بيت ريفى مع بعض الأخوة، حيث يصلى ليل نهار، من أجل الجميع، ومن أجل الكنائس فى أنحاء العالم.

وقبل القبض عليه بثلاثة أيام، بينما كان يصلى، أخذ فى غيبوبة، ورأى الوسادة التى تحت رأسه تحترق. فالتفت لمن حوله، وقال لهم: "لا بد وأن أحرق حياً". كان فى استطاعته الهرب. ولكنه أبى قائلاً: "لتكن إرادة الله". وقد أثار جلال شيخوخته (86عاماً)، وحضور ذهنه، إعجاب من حوله، وهو يحادث من جاءوا للقبض عليه.. طلب ممن أتوا للقبض عليه أن يتأنوا عليه ساعة ليصلى بمفرده، فوقف بصلى، وكان ممتلئاً نعمة وسلاماً.

طلب منه الجند أن يخرج أن يخرج معهم، ثم أركبوه حماراً وفى الطريق التقى بهم ضابط الشرطة المكلف بإحضاره مع أبيه، فأركبه فى مركبته، وشرعا يقولان له: "ماذا يضرك لو قلت الرب قيصر، وقدمت البخور، وما إلى ذلك، وبذا تنقذ نفسك؟". لم يجب القديس على هذا الكلام، ولكن لما ألحا عليه قال: "إننى لا أستطيع أن أصنع ما تشيران به علىَّ" وإذ فشلا فى إقناعه، هدداه وأهاناه، ودفعاه إلى أسفل بشدة من المركبة فجرحت ساقه، ودون أن يلتفت إلى الخلف، أكمل سيره إلى الملعب، حيث كان الوالى وجمهور كثير من الوثنيين هناك.

وبينما هو داخل إلى الملعب، جاءه صوت من السماء يقول: "تقو يا بوليكاربوس وكن رجلاً".  

كتاب الاستشهاد فى المسيحية ـ الأنبا يؤنس ،وكتاب القديس بوليكاربوس ترجمة وإعداد أنطون فهمى جورج حيث يترجم قصة استشهاد القديس بوليكاربوس كما جاءت فى رسالة كنيسة سميرنا إلى كنيسة فيلوميلوم

          "تقدم نحو الحاكم ولما تأكد من شخصيته أنه هو بوليكاربوس، حاول أن يستميله بقوله:

- وقر شخصيتك. واقسم بعبقرية قيصر وقل "ليهلك الكفار". ثم حثه الوالى أن يحلف ويلعن المسيح ليطلقه، فأجاب بوليكاربوس:

+ لقد خدمت المسيح ستة وثمانين عاماً، ولم يصنع بى شراً، فكيف أجدف على ملكى الذى خاصنى؟"

وعاد الوالى وألح وقال: "اقسم بعبقرية قيصر"، فأجاب بوليكاربوس:

+ لا تظن إنى سوف أقسم بعبقرية قيصر كما تطلب، كأنك لا تعرف حقيقتى: إنى مسيحى. وإذا كنت على استعداد لمعرفة العقائد المسيحية، فاسمح لى بيوم لتسمعنى فيه.

فقال الوالى : إقنع الشعب.. وإن لم تعدل عن رأيك فسألقيك للوحوش المفترسة، أو أحرقك بالنار.

+ إنك تهدد بالنار التى تحرق لوقت قصير، وبعد ذلك تخمد، وذلك لأنك تجهل نار العقاب الأبدى المعد للأشرار. ولكن لماذا تتوانى؟ افعل ما تريد.

وبينما كان يقول هذه الأقوال وغيرها، كان ممتلئاً شجاعة وفرحاً، وكان منظره يفيض بالنعمة. حتى أن الوالى تملكته الدهشة، وأعلن ثلاث مرات وسط الملعب: "لقد اعترف بوليكاربوس أنه مسيحى". وللحال صاح المجتمعون ـ وثنيين ويهود ـ "هذا هو معلم آسيا كلها وابو المسيحيين، مبدد آلهتنا، الذى يعلم كثيرين ألا يضحوا لها أو يعبدوها".. واستمروا فى صياحهم.. وأخيراً صدر الحكم بحرقه حياً. أسرع الوثنيون ـ وكان يساندهم اليهود بحماس عجيب ـ وجمعوا الحطب والأخشاب، ليضرموا ناراً شديدة. ولما حاولوا تسميره على خشبة، حتى لا يتحرك من حريق النار قال لهم: "اتركونى هكذا فإن الذى وهبنى قوة لكى أحتمل شدة حريق النار، هو نفسه سيمنحنى قوة أن أبقى هادئاً وبلا حركة بدون مسامير".

وهكذا لم يسمروه بل اكتفوا بتقييده ووضع يديه خلف ظهره فربطوهما وصار مثل حمل كريم من قطيع عظيم، وقرباناً بل محرقة مستعدة مقبولة لدى الله، أما هو فنظر إلى فوق إلىالسماء وقال:

+ "أيها الرب الإله ضابط الكل أبو ابنك المحبوب وفتاك المبارك يسوع المسيح الذى به تقبلنا معرفة كاملة عنك. أنت إله الملائكة والقوات وكل الخليقة وكل عشيرة الصديقين الذين يعيشون فى حضرتك. أباركك لأنك منحتنى فى هذا اليوم وفى هذه الساعة أن أُحسب فى عداد شهدائك، وأن أشترك فى كأس مسيحك للقيامة لحياة الأبد للنفس والجسد فى عدم الموت الذى للروح القدس. ليتك تقبلنى اليوم مع مصاف شهدائك لأكون فى حضرتك ذبيحة ثمينة مقبولة، لأنك أنت الإله الحق الذى لا يكذب، وقد سبقت وأعلنت (هذا الاستشهاد) يا إله الكل ورب الكل.. لأجل هذا أسبحك وأباركك وأمجدك فى رئيس الكهنة السماوى الخالد والأبدى يسوع المسيح. فتاك المحبوب الذى به لك المجد معه ومع الروح القدس الآن وكل آوان وإلى دهر الدهور كلها أمين". 

ولما انتهى من صلاته تقدم إليه الجنود وأوقدوا النار "واشتعلت النار مستعرة، وإذ بنا نرى عجباً، اتخذت النار شكل قوس كبير، أشبه بشراع سفينة ملأه الريح، فأحاط بجسد الشهيد كأنما هو جدار. ووقف الرجل وسط النار ـ لا كجسم يحترق ـ بل كخبز ينضج، أو أشبه بذهب أو فضة ينقى فى فرن. وشممنا عبيراً حلواً كأنما قد انتشر فى الجو حولنا عبير بخور أو طيب ثمين".

          ويروى أن المكلفين بإحراق القديس، أصابهم القلق لبطء النار فى التهام جسده، فأمروا جلاداً أن يغمد خنجراً فى جسده..ولما فعل ذلك تفجر الدم غزيراً فأطفأ النار. وتعجب الجمع وقالوا إنه لم يكن رجلاً كسائر البشر. وجمع الأخوة فى أزمير حطام عظامه، ووضعوها فى المكان اللائق. وتناقلت الكنائس وصف استشهاده، الذى كتبه مسيحيو أزمير حتى تشارك جميع الكنائس فى تمجيد الله.